الشيخ محمد رشيد رضا
394
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لتربية أنواع السباع والحشرات والبهائم الوحشية والآنسة والطير والسمك ، فالعلماء الذين يعنون بتربيتها ودرس غرائزها وطباعها وأعمالها في تلك البساتين وفي غيرها قد وصلوا إلى علم جم ووقفوا على أسرار غريبة ، ومما ثبت من مشابهة النمل للناس أنه يغزو بعضه بعضا ، وأن المنتصر يسترقّ المنكسر ويسخره في حمل قوته وبناء قراه وغير ذلك . وقد صارت أمم العلم والحضارة تحرص على بقاء كل نوع من أنواع الحيوان فإذا رأت بعض ما يصاد من الطير وغيرها قل في بلادها وخشي انقراضه منها تحرّم على الناس صيده . ولهذا العمل أصل في السنة عندنا فقد روي أن النبي ( ص ) كان أحب أن تقتل الكلاب في المدينة لمثل السبب الذي تقتل به حكومة مصر وغيرها الكلاب الضالة ، بل كان أمر بذلك ثم نهى عنه وقال « لولا ان الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها فاقتلوا منها الأسود البهيم » روه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي عن عبد اللّه بن مغفل ، وعلل قتل الكلب الأسود البهيم في حديث آخر عند احمد ومسلم بأنه شيطان ، أي ضار مؤذ فان اسم الشيطان يطلق لغة على العارم الخبيث من الانس والجان والحيوان ، وقد سأل المنصور العباسي عمرو بن عبيد عن سبب هذا الحديث فلم يعرف فقال المنصور : لأنه ينبح الضيف ويروع السائل ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ التفريط في الامر التقصير فيه وتضييعه حتى يفوت - كما في الصحاح - ويقال فرّطه وفرط فيه كما في القاموس ولسان العرب . ومنه قول صخر الغي * وذلك بزي فلن أفرطه * البز هنا السلاح . ويقال فرط فلانا - إذا تركه وتقدمه . روي عن ابن عباس تفسير الكتاب هنا بأمّ الكتاب . وفسروا أم الكتاب بأنه أصله وجملته ، وقالوا إنه اللوح المحفوظ ، وهو خلق من عالم الغيب أثبت اللّه تعالى فيه مقادير الخلق ما كان منها وما يكون بحسب النظام المعبر عنه بالسنن الإلهية . ومنهم من يفسر الكتاب هنا - وكذا أم الكتاب في آيتي الرعد والزخرف - بالعلم الإلهي المحيط بكل شيء ، شبه بالكتاب بكونه ثابتا لا ينسى . وقال بعضهم ان المراد بالكتاب هنا القرآن ، ولا يصح أن يكون القرآن أم الكتاب لان أم الكتاب شامل له ولغيره من كتب اللّه تعالى ومن مقادير خلقه . قال تعالى بعد ذكر القرآن في أول الزخرف ( وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ )